الشوكاني

222

نيل الأوطار

الدارقطني : هذا إسناد صحيح ، وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر ، فقد حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا ، وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع ، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والاخفات قال : وكان صيتا يملأ صوته الجامع ، فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم يجهر ، وقال بعضهم يخفت ، ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر منها ما لا يدل على المطلوب ، وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة ، أو ذكر القراءة لها ، أو ذكر الامر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة ، لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب وهو الجهر بها في الصلاة . وكذلك ما كان مقيدا بالجهر بها دون ذكر الصلاة لأنه لا نزاع في الجهر بها خارج الصلاة . ( فإن قلت ) : أما ذكر أنها آية أو ذكر الامر بقراءتها في الصلاة بدون تقييد بالجهر فعدم الاستلزام مسلم ، وأما ذكر قراءته صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر ، لأن الطريق إلى نقله إنما هي السماع وما يسمع جهر وهو المطلوب . قلت : يمكن أن تكون الطريق إلى ذلك إخباره صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بها في الصلاة فلا ملازمة . والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة ، وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت ، ولهذا قال الدارقطني : إنه لم يصح في الجهر بها حديث ، ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر ، لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم ، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها ، على أنه قد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة كما قال الحافظ في الفتح . وقد جمع القرطبي بما حاصله : إن المشركين كانوا يحضرون المسجد فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : إنه يذكر رحمن اليمامة يعنون مسيلمة ، فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزلت : * ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) * ( الاسراء : 110 ) قال الحكيم الترمذي : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة ، وقد روى هذا الحديث الطبراني في الكبير والأوسط . وعن سعيد بن جبير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان المشركون يهزؤون بمكاء وتصدية ويقولون : محمد يذكر إله اليمامة ، وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن ، فأنزل الله : * ( ولا تجهر بصلاتك ) * فتسمع المشركين فيهزؤا بك * ( ولا تخافت ) * عن أصحابك فلا تسمعهم . رواه ابن جبير